المقريزي

57

المقفى الكبير

الفرغاني « 1 » وغير [ هم ] من الوجوه عند الشريف أبي جعفر مسلّم وسألوه أن يكتب إلى جوهر في إعادة الأمان ، فكتب كتابا بإملاء الروذباري وبعثه . وكتب مع غلامه سعادة الأسود كتابا آخر ، وجلس الناس عنده لانتظار الأمان نهارهم . فطاف عليّ بن الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة ومعه رسول لجوهر ، ومعه جابر بن محمّد الداعي ، ومعهم بند عليه [ اسم ] المعزّ لدين اللّه ، وبين أيديهما الأجراس ، بأن لا مؤنة ولا كلفة ، وأمّن الناس . وكان جابر قد فرّق البنود التي عنده فنشر كلّ من عنده بند [ بنده ] في دربه . فلمّا كان وقت العصر وافى سعادة بجواب جوهر ، ونصّه بعد البسملة : [ عهد جديد من جوهر إلى الشريف الحسينيّ ] وصل كتاب الشريف الجليل ، أطال [ 362 ب ] اللّه بقاءه وأدام عزّه وتأييده وعلوّه ، فهو المهنّأ بما هنّأ به من الفتح الميمون . ووقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأوّل ، وقد أعدته على حاله ، وجعلت إلى الشريف ، أيّده اللّه ، أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحبّ ، ويزيد على ما كتبته كيف شاء ، فهو أماني وعن إذني وإذن مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه . وقد كتبت إلى الوزير أيّده اللّه بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة . ويعمل الشريف أيّده اللّه على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان [ سنة 358 ] . فاستبشر الجماعة وعملوا على الغدوّ إلى الجيزة . ثمّ سأل الشريف غلامه عمّن قتل فقال : نحرير الأزغلي ، ومبشّر الإخشيديّ ، ويمن الطويل وبلال . فقال له : [ أ ] تدري ويلك ما تقول ؟ فقال : رأيت رؤوسهم في طشت فضّة . فقال له : ومن ؟ فقال : وخلق كثير قد جمعت رؤوسهم . فبات الناس على هدوء وطمأنينة . ولمّا كان في غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان ، خرج الشريف أبو جعفر مسلّم والوزير أبو الفضل جعفر ابن الفرات ، وسائر الأشراف والقضاة ، وأهل العلم ، والشهود ، ووجوه التجّار والرعيّة إلى الجيزة . فلمّا تكامل الناس أقبل القائد جوهر في عساكره ، فصاح بعض حجّابه : الأرض ، إلّا الشريف والوزير ! وتقدّم الناس ، وأبو جعفر أحمد بن نصر التاجر يعرّفه بالناس واحدا واحدا . فلمّا فرغوا من السلام عليه مضى إلى فسطاطه فأقام إلى أن زالت الشمس . [ ف ] سارت العساكر وعبرت الجسر أفواجا أفواجا ومعهم صناديق المال على البغال وأقبلت القباب . ثمّ جاء القائد جوهر في حلّة مذهّبة مثقل [ ة ] تحفّ به فرسانه ورجّالته ، ومدّ العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم به المعزّ ، وهو موضع القاهرة . فلمّا استقرّت به الدار جاءته الألطاف والهدايا ، فلم يقبل من أحد شيئا ، إلّا طعام الشريف مسلّم وحده . فلمّا أصبح أنفذ عليّ بن الوليد قاضي عسكره ، وبين يديه أحمال مال ، ومناد ينادي : من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر أحمد بن نصر ! فاجتمع خلق من المستورين والفقراء ، فصار بهم إلى الجامع العتيق وفرّق فيهم .

--> ( 1 ) عبد اللّه بن أحمد الفرغاني ، هو أيضا أبو محمد في عيون الأخبار 681 ، ولعلّه هو المؤرّخ المذكور في كتاب الولاة ( ص 4 ) في ترجمة الكندي .